سياسة واشنطن بالمنطقة.. لاحرب ولا سلم

0
415

في الأزمة الأم، التي تعصف بالمنطقة منذ مئة عام، تجلى مفهوم “لاحرب ولاسلم” تاريخياً في أوضح ما يكون.

تلجأ الدول الكبرى إلى خيار “لاحرب ولاسلم”، لاستنزاف موارد الطرف الخصم وإنهاكه، أو على أمل تمكين الطرف الحليف من استرداد أنفاسه.

حالة جمود استراتيجي، تنتفي معها الحروب والمواجهات الكبرى، من دون إغلاق باب الاحتمالات أمام معارك ومواجهات محدودة تحت السيطرة.

حالة “لاحرب ولاسلم” تضيف أعباء فادحة على دول المنطقة وشعوبها، وتُبقي مستقبلها غامضاً وضبابياً، وبالأخص، تلك التي لا تدور في “الفلك الأميركي”.

قاسم مشترك يميز سياسة أميركا بالمنطقة تختزله عبارة: “لاحرب ولاسلم”، فكيف يتبدى ذلك ولماذا تعتمد واشنطن هذا الخيار وما تداعياته المحتملة؟

جوهر حراك أمريكا تكريس حالة “لاحرب ولاسلم” في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي و”الحل النهائي” غير مدرج في جدول إدارة بايدن ولا في جدول أعمال الإدارة التالية.

واشنطن غير قادرة على “حسم” الصراعات عسكرياً أو تسويتها سياسياً لا مباشرة ولا عبر حلفائها ووكلائها لكنها قادرة على منع “السلام” إذا لم يطابق “دفتر شروطها”.

لولا سنوات “اللاحرب واللاسلم” الطويلة، لما استطاع المشروع الصهيوني أن يبتلع كل فلسطين التاريخية ويقضم أطراف “دول الطوق” العربية ويتمدد عبر بوابات التطبيع إلى عمق “دول الإسناد”.

* * *

من يتأمل أداء السياسة الخارجية الأميركية حيال “قوس الأزمات”، أو بالأحرى، دائرة الأزمات المفتوحة في المنطقة، يجد قاسماً مشتركاً، يميزها، برغم اختلاف اللاعبين والسياقات، وتباين الأولويات بين أزمة وأخرى ويمكن اختزال هذه السمة المشتركة بعبارة واحدة: “لاحرب ولاسلم”، فكيف يتبدى ذلك كله، ولماذا تعتمد واشنطن خياراً كهذا، وما هي تداعياته المحتملة؟

ولننطلق بداية للتعرف إلى المفهوم، مفهوم “اللاحرب واللاسلم”، والتعريف به، إذ شاع استخدامه في الأدبيات السياسية العربية، في المرحلة الممتدة من هزيمة حزيران 1967 حتى حرب أكتوبر 1973، وهو “مُستلّ” من قاموس الحرب الباردة وعلاقات القوة وتوازناتها بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين.

وهو يعكس حالة جمود استراتيجي، تنتفي معها الحروب والمواجهات الكبرى، من دون إغلاق باب الاحتمالات أمام معارك ومواجهات محدودة وتحت السيطرة، وهو أقرب إلى حالة “تسكين” الجبهات، وإدارة النزاعات واحتوائها، دون صرف ما يكفي من وقت وجهد وموارد، لحلها أو تحويلها، والبحث عن معالجات جذرية، تخاطب أسبابها وعواملها الأكثر أهمية.

وتلجأ الدول في العادة، إلى خيار “اللاحرب واللاسلم”، عندما يستعصي إلحاق هزيمةٍ بيّنةٍ لطرفٍ على يد الطرف المقابل، وغالباً ما تلجأ الدول الكبرى إلى مثل هذه الاستراتيجية، لاستنزاف موارد الطرف الخصم وإنهاكه، أو على أمل تمكين الطرف الحليف من استرداد أنفاسه، والاستعداد لجولات لاحقة من المعارك والحروب، وربما في بعض الأحيان، تحويل الوضع المؤقت إلى وضع دائم، فيصبح استمرار الحال على ما هي عليه، هو “الحل المُرتجى” بعينه.

في الأزمة الأم، التي تعصف بالمنطقة منذ مئة عام، تجلى هذا المفهوم تاريخياً في أوضح ما يكون، فقبل الوصول إلى عصر اتفاقات التطبيع مع “إسرائيل”، بدءاً بمصر، قضت المنطقة معظم سنيّ الصراع، في حالة “لاحرب ولاسلم”، مع استثناءات قليلة، كرّست القاعدة بدل أن تنفيها.

وأمكن لـ”إسرائيل”، بدعم كثيف ولئيم، من دوائر أوروبية وغربية، وبالأخص الولايات المتحدة، بناء عناصر قوتها واقتدارها وتوسعها، ولولا سنوات “اللاحرب واللاسلم” الطويلة، لما استطاع المشروع الصهيوني أن يبتلع كل مساحة فلسطين التاريخية، وأن يقضم أطرافاً من “دول الطوق” العربية، أو أن يتمدد عبر بوابات التطبيع الاقتصادي والأمني والثقافي، خلف خطوط الطوق إلى عمق “دول الإسناد”.

اليوم، تُكرر واشنطن فعل المزيد من الشيء ذاته، فجوهر حراكها السياسي إنما يتجلى في تكريس حالة من “لاحرب ولاسلم” في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي…”الحل النهائي” غير مدرج في جدول أعمال إدارة بايدن، ولا يُعتقد أنه سيُدرج في جدول أعمال الإدارة التي ستليها.

وحدوث “الانفجار الكبير”، لا يبدو أمراً مرغوباً من منظور واشنطن، التي تنظر إليه بوصفه تعكيراً لصفو أولوياتها الأخرى، الممتدة من أوكرانيا والبحر الأسود، إلى تايوان وبحر الصين، مروراً بالمحيطين الهادئ والهندي.

جُلُّ ما ترنو إليه إدارة بايدن فلسطينياً، لا يتخطى ترجمة معادلة “الأمن مقابل التسهيلات”، حتى وإن أفضى الأمر إلى تحويل السلطة من “مشروع دولة” إلى “وكيل أمني” للاحتلال، يسهر على حراسة مستوطناته ومستوطنيه، نظير تسهيلات اقتصادية وتجارية بخسة، وتخفيف القيود المذلة على حركة الفلسطينيين.

هذا هو سقف الحراك الأمريكي، حتى إشعار آخر، وهذه هي الترجمة المعاصرة، لمفهوم “لاحرب ولاسلم” في سياقه الفلسطيني الراهن.

في اليمن، لم تعد هناك معارك وحروب كبرى، والمدافع صمتت منذ أزيد من عام، ورغم أن “الهدنة” نَفَدت، ولم تُجدد، لكن خطوط التماس في البر والجو والبحر، ظلت على صمتها وهدوئها، لا تعكر صفوها مناوشات هنا وتحرشات هناك.

أما مسارات التفاوض، فتبدو معلقة بانتظار “زمن آخر”، وحركة الموفدين الأممي والأميركي بلا بركة…حالة “اللاحرب واللاسلم”، تهيمن على اليمن، رغم تحذير كثيرين، بأنها لن تمنع الانفجار، وأنها مفخخة، باحتمالات قد لا يُحمد عقباها.

خيار “لاحرب ولاسلم” فلسطينياً، تعني إنهاكاً للفلسطينيين، وإضعافاً لروح المقاومة لدى أجيالهم الشابة، وفرصة لإشعال مزيد من الخلافات والانقسامات الداخلية، في الوقت الذي تنتشر في المستوطنات كالنبت الشيطاني، وتتضخم وتتسمن على حساب الأرض والحقوق والمقدسات الفلسطينية.

لكن حالة “لاحرب ولاسلم” في التجربة اليمنية، تبدو “مصيدة” معدّة بإحكام لأنصار الله الحوثيين، الذين بات يتعين عليهم، لا الاهتمام بمجريات المعارك على خطوط التماس، بل توفير فرص العيش الكريم لملايين اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وهي مهمة أصعب بكثير في زمن التهدئة والهدوء، من مهمة كسب المعارك وتسيير “الدرونات” وإطلاق الصواريخ في زمن الحرب والمعارك، سيما إن أخذنا في الاعتبار الشروط الاقتصادية والاجتماعية اليمنية، وتداعيات الحصار التي ما زالت تلقي بثقلها الكثيف والكئيب على شمالي البلاد.

في سوريا، تغيب المواجهات الكبرى، وسبق لـ”حميميم” أن أعلنت بصريح العبارة، أن زمن المعارك الكبرى في سوريا قد انقضى، ولكن مرة أخرى، لا نشهد حرباً في سوريا، ولا نشهد سلاماً كذلك. فأكثر من ربع مساحة البلاد، وفوقها ملايين السوريين، ما زالت وما زالوا، خارج سيطرة الدولة وسيادتها.

والحرب الاقتصادية ما زالت تشن بسيف “قيصر” وما لحقه من قوانين عقابية، ووعود إعمار سوريا، أو حتى تعافيها المبكر، كما عودة اللاجئين، ما زالت محفوفة بالخطوط الحمراء الغربية التي تجعل إنجاز هاتين المهمتين، أمراً صعباً للغاية.

لا حروب ومعارك كبرى، ولا حلول سياسية ودبلوماسية…لا مسار جنيف يتحرك، ولا مسار أستانا حافظ على زخمه، فيما “اللجنة الدستورية” لا تظهر إلا في اجتماعات “لجنة الاتصال السداسية العربية”.

والموفد الأممي غير بيدرسون “خارج السمع”، لكأن المطلوب فرض طوق من جمود استراتيجي، وتكريس حالة من السكون والتسكين، الكفيلة وحدها، بتفجير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، رهاناً على مسلسل انفجارات من الداخل، أو موجة جديدة من “ثورات الجياع”، في ظل صمت المدافع والجبهات من جهة، وانسداد أفق السياسة والحلول من جهة ثانية.

ليبيا بدورها، ليست بعيدة عن هذه السياسة، فالحرب وضعت أوزارها منذ أن بدا أن الجيشين التركي والمصري، قد يصطدمان أحدها بالآخر عند خط سرت – الجفرة. يأتي موفدون دوليون ويعودون، تتبدل الأسماء والأشخاص، تندلع اشتباكات متنقلة هنا وهناك، لكن النتيجة أن ليبيا التي غادرت مرحلة الحروب والمعارك الكبرى، لم تدخل مرحلة السلام بعد، والباب مفتوح لشتى الاحتمالات.

واشنطن غير قادرة على “حسم” هذه الصراعات عسكرياً، أو تسويتها سياسياً، لا مباشرة، ولا عبر حلفائها ووكلائها في الإقليم، لكنها ما زالت قادرة على منع “السلام” ما دام أنه لا يتطابق مع “دفتر شروطها”.

من هنا، يأتي اللجوء إلى خيار “اللاحرب واللاسلم”، الذي يُبقي بيديها، مروحة واسعة من الخيارات والبدائل. فهي تستطيع أن تحشد المارينز والقطع البحرية في الخليج، وأن تعزز وجودها العسكري شمال شرق سوريا، وبمقدورها أن تجند الميليشيات العشائرية لقطع الشريان الحيوي لإيران الممتد من قزوين حتى شرق المتوسط.

تستطيع التحرش بروسيا في سوريا، وأن تواصل ما سمّته “استراتيجية ردع إيران ودورها المزعزع للاستقرار”، لكن ذلك لا يمنعها من البحث عن “تسويات صغيرة” من نوع “صفقة السجناء” وإن خلف الأبواب المغلقة في مسقط والدوحة، في الوقت الذي لا تمانع فيه، خوض “معارك صغيرة” مباشرة أو بالوكالة…

حالة “لاحرب ولاسلم” في المشهدين العربي والإقليمي، تضيف أعباء إضافية إلى دول المنطقة وشعوبها، وتُبقي مستقبلها غامضاً وضبابياً، وبالأخص، تلك التي لا تدور في “الفلك الأميركي”.

*عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here